التجريب في المسرح العربي – تبعية أو تثاقف

حالة الجزائر

  

     قبل الشروع في الحديث عن هذا الموضوع الشائك لابد من تقديم تعريف لبعض المفاهيم التي يتضمنها المحور المقترح للبحث، ونتسهلها بمفهوم التبعية. يدل هذا التعبير على مجمل العلاقات غير المتساوية في الأنظمة الاقتصادية والسياسية والثقافية. ويستعمل هذا المفهوم في كثير من الأحيان لوصف الوضع في البلدان النامية في مقابل البلدان المتقدمة أو بلدان "الأطراف والمركز". ويستخدم كذلك كمرادف للاستغلال والهيمنة. وينبغي الإشارة هنا أن التبعية الاقتصادية في بعض الحالات لا تتبعها بالضرورة تبعية سياسية أو ثقافية. فليست التبعية الثقافية لبلدان الأطراف حتمية حتى في حالة تدفق التكنولوجيا من بلدان المركز. وإذا كان نقل التقنية والمنتجات قد أدى إلى تفكيك المجتمع التقليدي في بعض بلدان الأطراف، فإن ذلك لا يمنع الثقافة من الصمود أمام تدفق السلع والمنتجات الغربية.(1)

   أما بالنسبة لمفهوم التثاقف أو التبادل الثقافي  أو الامتزاج الثقافي، فهو العلمية التي تنتقل بها الثقافة خلال اتصالات مستمرة ومباشرة بين جماعات ذات ثقافات مختلفة. ويلقى التثاقف استجابات مختلفة تبعا للظروف التي يتم فيها. فقد يقع القبول من خلال استعارة التقافة الجديدة وتمثل كل السلوك والقيم الداخلية لهذه الثقافة، وقد يحدث التكيف وهو إحكام العنصر الثقافي الذي تم قبوله لكي يتواءم مع نظائره في ثقافة المستعير. وقد يؤدي ذلك إلى التمثل ويحدث في هذه الحالة التكيف من جانب واحد، أو الانصهار الثقافي (التكيف الثقافي). وقد يحدث في بعض الحالات رد الفعل  من خلال الحركات الشعبية التي تقوم ضد الثقافات الوافدة من الخارج. بحيث يؤدي اكتساب ثقافة الخصم إلى مقاومة أكثر فعالية.(2)

   إن الثقافة لاتوجد إلا بوجود المجتمع،كما أن المجتمع لا يوجد إلا بالثقافة. وتعتبر الثقافة قاسما مشتركا بين كل المجتمعات تتفق وتختلف في آن واحد. والثقافة تساعد على التميز بين فرد وآخر وبين جماعة وأخرى وبين مجمتع وآخر. بل إن الثقافة هي التي تميز الجنس البشري عن غيره من الأجناس, لأن الثقافة هي التي تؤكد الصفة الإنسانية في الجنس البشري، ذلك أن الفرد في المجتمع يتفق مع بعض الناس في كل النواحي ويختلف معهم في نواح أخرى. وفي هذا الصدد يرى كاردنر أن كل  نظام اجتماعي ثقافي يتميز بشخصية أساسية، وذهب إلى حد القول: "الأنا هي ترسب ثقافي".(3)

   أما بالنسبة لتعريفات الثقافة فهي متعددة، ويمكن حصرها في اتجاهين: الأول ينظر إلى الثقافة على أنها تتكون من القيم والمعتقدات والمعايير والتفسيرات العقلية والرموز والايديولوجيات وما شاكلها من المنتجات العقلية. أما الثاني فيرى أن الثقافة تشير إلى النمط الكلي لحياة شعب ما والعلاقات الشخصية بين أفراده وكذلك توجهاتهم(4).

    نفهم من  هذا أن الثقافة هي مجموع رؤى الانسان الموضوعية والذاتية لنفسه وللعام الذي يعيش فيه. وتلعب بما تنتجه من قيم وتؤسسه من أعراف أدوارا متعددة ومتشابكة في حياة الإنسان أمما وأفرادا، فهي الذاكرة التي تحفظ ما مر به الإنسان من خبرات عير تاريخه الطويل، وهي الألية التي تضبط إيقاع حركة المجتمع وتعمل على تماسكه من خلال القيم  والتقاليد والأعراف الراسخة في وجدان المجتمع، وهي الأداة التي يستخدمها الإنسان لفهم حاله ولتفسير ما يدور من حوله.

    تتميز العلاقة بين الثقافة والمجتمع الذي أفرزها بطبيعتها الجدلية ثنائية الاتجاه: فالثقافة ككيان معنوي تتميز بسمات خاصة  وتختلف من مجتمع لآخر . وهي ليست كيانا جامدا ومتحجرا، بل هي تتطور بتطور المجتمع. ومن ناحية أخرى تحدد الثقافة السائدة في مجتمع ما مدى قابليته للتطور والاستجابة إلى مقتضيات التغير الذي تفرضه طبيعة العصر الذي يعيش فيه.(5)

   وقد أكد الباحثون أنه بالرغم من التباين والتمايز الذي يظهر بين المجتمعات البشرية، فإن التواصل بين الثقافة المتنافسة أمر له أهميته. ذلك أن سبل البشر في التفاعل مع بعضهم البعض هي العنصر الأهم والحاسم في تاريخ البشرية. كما أن قدرة البشر على التفاعل اجتماعيا سواء على المستوى الفردي أم الجمعي هي الدافع والمحرك الأول لدفع عملية الابتكار الاجتماعي. وفي هذا الصدد يرى الباحثون أن الذكاء الاجتماعي يتميز بالمرونة وبقدرة فائقة على التخيل، وهذه هي الصفات التي أهلته لابتكار تلك الشبكة الواسعة والمعقدة من الثقافات المختلفة. ويؤكد معظم الباحثين أن الشرط الأول لفهم أنفسنا وإدراك سبل النهوض وتطوير حياتنا ،هو أن ندرك معنى المجنمع من حيث هو بنية قائمة على التكافل والتفاعل والتضامن المشترك أو المتبادل. وقد كثر الحديث عن الثقافة أو بالأحرى عن الذاتية الثقافية بشكل عام، في غياب الوعي العلمي بمعنى الثقافة وضرورتها وأسس نشأتها وتطورها وتوارثها. وتعالت أصوات تتحدث وتتباهى بثقافتها منطلقة من نزعة محورية قائمة على التعصب دون أن تدرك وأن تقبل تنوع الثقافات بوصفها ضرورة اجتماعية تاريخية أساسا للتسامح ، وأن ارتقاء حياة الإنسانية في شتى المجتمعهات وعلى مدى التاريخ رهن تنوع الثقافات وتفاعلها وتباين الرؤي واختلافها ،وتوافر آلية اجتماعية تكفل التفاعل الإيجابي الحر.

   هذه الفعالية والتفاعلية التي تنتج المجتمع تتسم بخاصية أساسية هي قابليتها للتنوع والثراء والتعدد الخصب في أنماط الاستجابات. ذلك أن كل إنسان /مجتمع يبني وينتج ثقافته على النحو الخاص به زمانا ومكانا، ويكتسب خصوصيته من بيئته ومحيطه العقلي ونهجه في الحوار وفي التعامل، ومن ثم تتعدد وتتنوع الثقافات، علما أن التغير والتنوع هما سمة وضمان الحياة الاجتماعية في تحركها الدينامي المتجدد المتفاعل. أما الوحدة والتجانس والتماثل فتكون نتيجتها التحجر والجمود، فالإنسان بطبيعته لديه استعداد وقابلية هائلة للتنوع والتغير في حركة حية دينامية، وهذا ما أدى إلى تباين أشكال الحياة، وأشكال فهم الحياة وصور التعبير عن الحياة وسبل الأخد بالحياة والتعامل معها. ففي التنوع والتعدد والاختلاف حياة الانسانية وارتقاؤها، فالإيمان بالتعدد والتنوع والاختلاف يؤدي بنا إلى الإيمان أيضا أن هناك ما يجمع بين البشر، إنها وحدة مع الاختلاف أو بعبارة أخرى في إطار الوحدة ، بمعنى أن التنوع الثقافي لا يعني التنافر الإنساني المطلق.

   إن التجربة الإنسانية القائمة على التفاعل الذي هو جوهر روح المعاشرة الاجتماعية، ذلك أن الثقافة منتج اجتماعي لتكييف فرص ومناخ الفعل والتفاعل الاجتماعيين، ومن ثم فإن دراسة ثقافة مجتمع ما تعني بالضرورة دراسة الفعل الاجتماعي وعلاقات التفاعل داخل المجتمع، ومع مجتمعات خارجية. في هذا  الصدد يقول الفيلسوف رادها كريشتان :"إذا ما تعالينا عن مظاهر الاختلاف بين المعتقدات والثقافات فسنجدها جميعا واحدة، لأن الإنسانية في جوهرها واحدة، وإن تنوعت وتعددت ثقافتها".(6)

ولعل القول المأثور للماهاتما غاندي يلخص الموضوع حيث يقول: " لا أريد لبيتي أن تحجبه الأسوار من كل صوب وحدب، ولا أريد أن تغلق نوافذه فيفسد الهواء. بل أريد أن يغمر بيتي العبق الأصيل لكل ثقافات الدنيا وينتشر في حرية بقدر ما يتيسر ذلك. ولكنني في نفس الوقت أرفض أن تنتزعني ثقافات الآخرين من جذوري وتلقي بي بعيدا عن رحاب بيتي".

   ومن هنا فإن التمايز الثقافي بقابليته للتجدد والتفاعل يشكل في الواقع المناعة الحقيقية التي تواجه الإقصاء والهيمنة والاستلاب الذي يقطع الانتماء عن الذات انبهارا. والتمايز الثقافي لا يعني النفي والانطواء على الذات، وإنما يعني الاعتراف بالآخر والحوار والاحترام المتبادل. في هذا الإطار تعالت أصوات في ميدان المسرح تطالب بضرورة التنوع. وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى الجهود التي بذلتها "لجنة مسرح العالم الثالث" التي نشأت في إطار الهيئة العالمية للمسرح والتي دعت في ندواتها المختلفة إلى ضرورة تأصيل مسرح الدول الأعضاء وذلك بالبحث في الثقافات الشعبية عن خصائص التميز، دون أن يقود ذلك إلى الانكفاء على الذات.

   وقد أسهمت هذه الهيئة بشكل فعال في إقامة ما يسمى "الورشات العالمية متعددة الاختصاصات" التي تسعي إلى دعم الإبداع المسرحي المتميز بخصائصه المتفردة ، وذلك لمحاولة استنباط مناهج تقنية جديدة في ضوء توفير ظروف مناسبة للبحث والتجريب. وقد ركزت هذه الورش هدفها الأساسي في البحث في التراث ومكانته الثقافية ومدى امكانات استلهام وتوظيف ذلك التراث الخاص في التجريب لصياغة أشكال تعبير مسرحية تتجاوز الصيغة الأوروبية للمسرح.

   وقد طرح الباحث أوجينيو باربا قضية رفض فكرة النمط الموحد لشكل التعبير المسرحي، ودعا إلى ضرورة البحث عن مساحة التنوع من خلال الفرجة الشعبية. ويؤكد باربا أنه بإمكان المسرح أن ينفتح أمام تجارب المسارح الأخرى ليس بغرض مزج الأساليب المختلفة في الأداء، بل للبحث عن المبادئ الأساسية عبر التجارب نفسها. وفي مثل هذه الحالة فإن الانفتاح أمام التنوع لا يعني بالضرورة السقوط في دعوة التوفيقية وفوضى اللغات المختلفة ،فذلك يجنب المسرح خطر العزلة ، ذلك "أن المسارح تتشابه في مبادنها وليس في عروضها وأدانها."(7)

   أما بالنسبة لمفهوم التجريب في مجال المسرح، فقد اتخذ معان عديدة، ذلك أن كل التيارات التي ظهرت منذ مطلع القرن العشرين على تعدد أشكالها واتجاهاتها كانت تهدف إلى ابتكار أشكال تعبيرية جديدة، والدعوة إلى تجاوز المسرح القائم والتمرد عليه. لكن كلمة التجريب في المسرح في الوقت الراهن تدل على نوع محدد من المسرح له خصائصه وأساليبه. والمسرح التجريبي الحديث ظاهرة عالمية لا يخص بلد دون آخرن فهو منتشر – تقريبا – في جميع دول العالم. ويعرف المسرح التجريبي بأنه " المسرح الذي يحاول أن يقدم في مجال الإخراج أوالنص الدرامي أو الإضاءة أو الديكور.. إلخ أسلوبا جديدا يتجاوز الشكل التقليدي، لا بقصد تحقيق نجاح تجاري، ولكن بغية الوصول إلى الحقيقة الفنية. وعادة ما يتحقق هذا التجاوز عن طريق معارضة الواقع والخروج إلى منطقة الخيال، بل والمبالغة في ذلك الخروج في بعض الأحيان" (8)

   أما بخصوص موضوع التجريب في المسرح فقد عرفت الساحة المسرحية العربية نقاشا حادا حول موضوع التجريب،  فأبدى البعض تخوفه بدعوى أن التجريب خرق وتجاوز يهدد التقاليد والقواعد، ويرون ضرورة الحفاظ على النقاء الثقافي كحماية للتمايز والخصوصية الثقافية. ومن هنا جاء التأصيل العربي يبشر بميلاد شكل مسرحي عربي مغاير للمسرح الغربي ، وراح يبحث عن ظواهر جنينية للمسرح وتظاهرات شعبية ورصيد فنون الفرجة في التراث العربي كمحاولة لرفضها لتقليد المسرح الغربي تأكيدا لهوية المسرح العربي المنشود وهم بذلك يرفضون التبعية للغرب.

   في حين يرى دعاة التجريب في المسرح بأنه حالة من الإبداع المستمر يبحث عن الجديد ويحاول ان يتجاوز الصيغ المقيدة ويراهن على التحول وتجدد أدواته لاكتشاف مجالات  جديدة للتفكير والتعبير. وإذا كان التجريب يحتفي بالتنوع والاختلاف فإنه لا ينفي الأشكال السابقة عليها، وإنما يجدد الرؤى وينوع الأساليب، إنه اختيار مستمر للأفكار والأشكال والأدوات. وهذا انطلاقا من أن التمايز الثقافي لا ينفي التفاعل مع الثقافات الأخرى، ويرون أن هذا تثاقفا وليس تبعية(9)

   والواقع أن المسرح شأنه الفنون الأخرى لا يزدهر بغير التجريب والممارسة المستمرة والمغامرة مع الجديد، ذلك إن تاريخ المسرح يؤكد الدور الذي لعبه التجريب والتجديد والممارسة التي بفضلها تطور المسرح وصمد أمام التطور الذي شهدته وسائل الاتصال الحديثة، وبرهن على فشل التنبؤات التي تنبأت بنهاية المسرح، واستطاع أن يتأقلم مع الظروف الجديدة. والإبداع في ميدان المسرح أو في غيرها من حقول المعرفة عملية مستمرة بمعنى أن المبدع  لا يبدأ من فراغ، بل يبدأ بعد استيعاب كل تجارب الماضي والشعور بضرورة إبداع شئ مختلف يستند إلى الإبداعات السابقة ويختلف عنها في نفس الوقت.

   أما بالنسبة لمسألمتي التبعية أو التثاقف في المسرح العربي فينبغي الإشارة إلى أن المسرح بالمفهوم الأرسطي ظاهرة غربية، عرفته المجتمعات العربية في منتصف القرن التاسع عشر، أي مع الاستعمار والاحتكاك مع الآخر. وقد يفترض هذا وجود تأثر بالمسرح الغربي، الأمر الذي لا يمكن نفيه. ولكن بالرغم من هذا التأثير، إلا أن التجربة المسرحية العربية في الحقيقة لها ما يميزها عن المسرح الغربي. ذلك أن المتمعن في الحركة المسرحية العربية منذ بداياتها الأولى يكشف هذه الخصوصية، حيث حاول الرواد الأوائل ربط الإبداع المسرحي العربي بالبيئة المحلية، وهو ما تم تحقيقه بالفعل من خلال توظيف الكثير من الأشكال التعبيرية المحلية في العروض المسرحية العربية. وهو ما يمكن ملاحظته كذلك في التجربة المسرحية الجزائرية التي ظهرت بعد حوالي تسعة عقود من الاحتلال الفرنسي. إذ بالرغم من أن المسرح الجزائري قد تأثر بالساحة الثقافية السائدة في الجزائر في مطلع القرن العشرين، إلا أن الحركة المسرحية الجزائرية اتسمت بطابع خاص في شكلها ومحتواها أملته الظروف التي كانت تمر بها الجزائر أثناء الاحتلال.

   لقد عرفت الجزائر في بداية القرن العشرين مرحلة إعادة بناء المجال الثقافي الجزائري الذي عمل الاستعمار على محوه منذ الاحتلال، وأسهمت النخبة الثقافية الجديدة التي بدأت تتكون شيئا فشيئا في تأسيس هذا الفلك الثقافي، صادف ذلك ظهور الصحافة والأدب والمسرح. في هذا الإطار احتل المسرح مكانة هامة على الصعيد الثقافي. ويجب الإشارة إلى أن أهمية المسرح تكمن في أنه يختلف عن البنى الثقافية التقليدية والحديثة، إذ بالرغم من أنه شكل مستعار شأنه الصحافة فهو يتميز بأنه ليس من إنتاج النخبة المثقفة من أجل النخبة، فهو لا يخاطب جمهورا قائما مكونا في المدارس. فضلا عن أنه يأتي في منتصف الطريق بين المكتوب والشفوي.(10)

   والواقع أن البحث عن صيغة مسرحية خاصة قد لازمت المسرح الجزائري متذ بداياته الأولى. ذلك أن الكتاب المسرحيين الجزائريين الأوائل لم يعتمدوا في البداية على النماذج الكلاسيكية للمسرح الفرنسي. بالرغم من أن الفرنسيين أدخلوا المسرح إلى الجزائر في وقت مبكر حيث شيدت المسارح في معظم المدن الجزائرية إلا أنه لم يعجل من ظهور الحركة المسرحية الجزائرية. ويعزو سعد الدين شنب أن العادات  والتقاليد  التي حملها الفرنسيون إلى الجزائر  كالمقهى الأوروبي وأماكن الرقص كانت مخصصة للفرنسيين فقط، ولم يكن المسرح بالنسبة للجزائريين له أهمية بل كان ينظر إليه كنوع من التسلية الخاصة.

   أما بخصوص عدم اللجوء إلى الترجمة أو الاقتباس للمسرح الفرنسي، فيرى سعد الدين بن شنب أن الجمهور الجزائري يجد صعوبة في فهمها وتذوقها. ويرى أن هناك بعض الاستثناءات من التقليد ثم ملاحظته في مسرحيته"جحا" لعلالو ، وهذا بالرغم من الغرابة التي تبدو في أحداثها وتفرد فكرتها، لكنها تتقارب إلى حد ما مع مسرحيتي "مريض الوهم" و"الطبيب رغم أنفه" لموليير من حيث الحبكة الخالية من أي تعقيد، فضلا عن بساطة الشخصيات.(11)

   ويعلل محي الدين شتارزي عدم استفادة الجزائريين من المسرح الفرنسي إلى عدم ترددهم على قاعات المسرح، وعدم مشاهدتهم للعروض التي كان يقدمها الفرنسيون مرده إلى الهوة العميقة التي كانت قائمة بين الجزائريين والمعمرين. ويضيف أنه بعد زيارة فرقة جورج أبيض قرر بعض الهواة اقتحام هذا الميدان  وكان بدافع الإحساس، فوقع اختيارهم على تقديم مسرحية فرنسية(12)

   ولا ينفي علالو تأثر الكتاب الجزائريين بالمسرح الفرنسي الذي أخذوا عنه تقنيته لخلق مسرح وطني جزائري، إلا أن موضوعات المسرحيات كانت مستقاة من المصادر الأدبية والشعبية الخالصة، لا سيما من ألف ليلة وليلة. ويؤكد بأنهم لم يترجموا ولم يقتبسوا مسرحيات فرنسية أو غير فرنسية لأنها لم تكن لتستأثر باهتمام جمهورنا.(13)

   ومن جهته يذكر يذكر الكاتب الفرنسي جابربيل أوديزي إن ميلاد المسرح في الجزائر بعد العشرينيات دليل على أن الجزائريين بدأو يعبرون علانية عن وجودهم وشخصيتهم بلغتهم ويثبتون هويتهم عن طريق المسرح الذي بدأ يعى قدره وقدراته.ويضيف ولم يكن تحقيق هذا ممكنا لأول وهلة في غياب الربيرتورا والقاعات والجمهور....كل شئ يجب ابتكاره أو تكوينه (14)

ومن هنا فإن تأثر المسرح الجزائري بالمسرح الأوروبي والفرنسي على وجة الخصوص في الحقيقة لم يظهر في الاقتباس أو الترجمة، بل ظهر في طريقة الكتابة المسرحية المعتمدة على طريقة كلاسيكية ومنها تقسيم المسرحية إلى فصول ومشاهد. وفي مرحلة لاحقة حاول الكتاب المسرحيون الجزائريون البحث عن بديل للقالب المسرحي الأوروبي وقدموا أعمالا مستمدة من التراث.

   ومن التجارب المسرحية التي جسدت بوعي التثاقف في ميدان المسرح نذكر التجربة التي قام الكاتب ابراهام دانينوس مع مسرحية "نزاهة المشتاق وغصة العشاق في مدينة طرياق في العراق"*. للإشارة فإن هذه المسرحية تعتبر  أول نص مسرحي درامي عربي يعود تاريخه إلى منتصف القرن التاسع عشر وبالتحديد إلى 1847. وقد طبع بمدينة الجزائر.* 

 تدور أحداث المسرحية في مدينة العراق في عصر غير محدد، وتروي قصة نعمة وهي ابنة ربان سفينة متزوجة من ابن عمها نعمان الذي يهوي الترحال. يسافر في خدمة الباشا، وأثناء فراق الزوجين تحاول أم نعمة إقناع ابنتها بالطلاق من زوجها والزواج من ابن خالتها. بعد صراع نفسي طويل تقرر نعمة البقاء مخلصة لزوجها. وتنتهي نهاية سعيدة باجتماع الزوجين. وبالإضافة إلى هذه القصة هناك وصف رائع للبلاد يشمل الرحلة والطيور والبساتين والأشجار والأسماك. فقد وظف الكاتب دانينوس الأساطير التي يرجز بها الأدب الشعبي. وهي مكتوبة بأسلوب شاعري بالموشحات الأندلسية. أما لغة المسرحية فهي مزيج من العربية الفصحى والعامية. والجديد في هذه المسرحية يكمن في اعتبارها واحدة من الحلقات المفقودة بين التقاليد المسرحية العربية الحية والمسرح العربي الحديث ذي التأثير الأوروبي. تقترب المسرحية في شكلها ومضمونها من الكثير من الظواهر المسرحية التي يزخر بها التراث العربي كالمقامات وخيال الظل وألف ليلة وليلة.

    تجربة أخرى جديرة بالدراسة هي تجربة الكاتب المسرحي ولد عبد الرحمن كاكي الذي أسس في الخمسينيات من القرن الماضي فرقة مسرحية أطلق عليها "فرقة الكراكوز" وراح يبحث في الأشكال التراثية وتوظيفها في أعماله المسرحية. قدم عرضا مسرحيا بعنوان: "ما قبل المسرح" أي في طريق البحث عن مسرح جزائري صميم، وقد لاقت هذه التجربة نجاحا كبيرا عندما عرضت المسرحية في باريس في 1964 حيث كتب عنها أحد النقاد مايلي: ".. إن كاكي أقرب إلى بريخت والحكواتية العرب منه إلى فيرمان جيمييه صاحب نظرية المسرح الشعبي. إن أعمال كاكي تعتمد على تحرك ناعم ولطيف للتمثيل.(ضحك، قراقوز، مهرجون، مسرح إيمائي، النقد، المزاح، وحتى العنصر التراجيدي.. ها هو فن حر وصحيح.." .(15 )

   قدم كاكي مجموعة من الأعمال  المسرحية تندرج كلها في إطار البحث عن مسرح جزائري أصيل. ففي مسرحية "القراب الوالصالحين" استقى موضوعها من أسطورة  شعبية وظفها في قالب مسرحي متميز، وهي شبيهة بالأسطورة الصينية التي شكل منها بريخت مسرحيته "الإنسان الطيب في ستشوان". وقد وفق كاكي في معالجة الموضوع، بحيث لا يبدو غريبا على البيئة الجزائرية، فلم يجرد القرية التي قام فيها أحداث المسرحية من الإيمان فاستبدل الآلهة الثلاثة بثلاثة أولياء صالحين، وغيرّ شخصية شن تي بشخصية عجوز فقيرة مؤمنة وطيبة.

    وتعامل كاكي مع مسرحية "الطير الأخضر" لكارلو جوزي التي أصبحت تحمل عنده "ديوان الكراكوز" فيقول: "نتيجة لإحساسنا بضرورة الحفاظ على الذات والبحث عن طريقتنا الخاصة بنا في التعبير، قررنا القيام برحلة شبة خيالية، فتوجهنا إلى فينيسيا حيث اكتشفنا هناك مسرحية للكاتب كارلو جوزي الذي كان يكتب لمسرح كوميديا دي لارتي. ويضيف لقد عاش السينيور في عصر القراصنة، وحكايته عن الطائر لا تعدو أن تكون إحدى حكايات ألف ليلة وليلة. وإن القرن العشرين يسمح لنا بإعادة النظر في الماضي تماما، كما سمح القرن الثامن عشر لذلك الفينسي بنقل هذه الحكاية إلى التربة المحلية ووضعها في الشكل الدرامي حسب الماضي. ونحن أخذناها منه مرة أخرى ووضعناها في قالب درامي جزائري، ونحن في الواقع لم نأخد الحكاية فقط، ولكن أخذنا الفكرة الدرامية كذلك:"لص يسرق من لص، وتنتصر العدالة"، وبهذه الطريقة كتبنا "مسرحية الكراكوز"  وهي ليست مسرحية مترجمة، وليست اقتباسا أيضا".(16)

   والواقع أن تجربة كاكي تمتاز بالبحث عن ضيع وأشكال تعبيرية جمالية خاصة، قائمة على المزج بين الطابع المحلي والبعد الإنساني، والاستفادة من التجارب العالمية سعيا إلى الاتصال الدائم مع الجمهور.كما تمتاز محاولاته في سعيه الدائم لإحياء وتجديد طرق التبليغ التقليدية المهددة بالزوال نتيجة التغيرات التي عرفها المجتمع الجزائري.

   أما من ناحية تقنية العرض فقد مزج كاكي بين فضاء المأثورة الشعبية وقدرات الراوي التبلغية، فاستعاد في بداية الأمر مكان العرض التقليدي المعروف بالحلقة، حيث يحتشد المتفرجون على شكل دائرة يشاركون في العرض. وهذا يعني أن كاكي نقل العلاقة: ممثلون جمهور الخاصة بالحلقة إلى المسرح، وعمل على إعادة خلق الشعور والإحساس الذي يميز هذا النوع من التجمع، حيث يلعب المداح دورا هاما في هذه اللعبة، فيروي القصائد معتمدا على بلاغة الكلام القادر على الإقناع مرفوقا بإيقاع موزون على حركات منسجمة باعتباره عنصرا مثيرا للعلاقة بين المنصة والجمهور. وإلى كاكي يعود الفضل في إعادة الاعتبار إلى هذا الشكل الفني المهدد بالفناء وتوظيفه خارج سياقه الاجتماعي المعتاد (الأسواق والمناسبات الدينية) وكيفه مع ضرورات الخشبة المسرحية العصرية. وهكذا يكون كاكي قد وظف تقنيات الفضاء المسرحي الأوروبي في خدمة شكل تعبيري أفرزته تقاليد شعبية بواسطة أسلوب ومضمون الرسالة ومتلقيها محققا بذلك معادلة هامة بمزجه لتقاليد شعرية عريقة بوسائل اتصال حديثة، وتكمن أهمية هذه التجربة في قدرتها على مسرحة التقاليد الشعبية العريقة.(17)

   تجربة أخرى رائدة في مجال البحث عن أشكال تعبيرية أساسها التراث الشعبي، هي تجربة المسرحي الراحل عبد القادر علولة الذي كان يرى أن المسرح الأرسطى وليد بيئة حضارية غربية لا يناسب ثقافتنا، ودعا إلى ضرورة العودة إلى الأشكال الفنية الشعبية، وتبنى أسلوب الحلقة والراوي الذي يعتمد على مخاطبة الأذن التي بدورها تستدعى الخيال.

   والواقع أن استخدام مثل هذه الأنساق التمثيلية في المسرح قد طرح في معظم الدول التي خضعت للاستعمار. ويرى المتحمسون لهذه الدعوة ضرورة العودة إلى تاريخ ما قبل الاتصال بالآخر (الأوروبي) واستعادة أشكال متباينة للتعبير الثقافي. ويعد الراوي أحد الشخصيات التي تتحكم في السرد التاريخي فتمثل رواية القصص على خشبة المسرح طريقة اقتصادية يمكن من خلالها خلق جو المسرح ذلك أنها تعتمد على التخيل والإلقاء والارتجال، ولا تعتمد بالضرورة على العديد من خواص الخشبة المسرحية العصرية، وقد تمكن الكثير من الممارسين من نقل تراث الحكي إلى خشبة المسرح باعتباره يشكل أحد أنماط التواصل مع الجمهور. وفي هذا الصدد يميز إيميل بنفينيست بين مفهومين: "الإنشاء وحكاية التاريخ". ويرى أن التاريخ المكتوب باعتباره شكلا من أشكال حكاية التاريخ يتجنب التفاصيل التأويلية ويجرد السردية من أي سياق تلفطي، كما يسعى إلى الإيحاء بأن المعنى ثابت في اللغة. على النقيص من ذلك فإن الحكي الذي يشبه الإنشاء يؤكد على دور المشارك في الحوار والسياق الخاص للفظ اللغوي، وهو ما يتمخض من خلال معان متغيرة وغيرة ثابتة. وعلى اعتبارا أن الراوي يكون واعيا بالجمهور وبوضعه بوصفه مصدرا للترفيه والتسلية، فإنه يقوم بمراجعة التاريخ في كل عرض  وذلك بأن يجعل الماضي يخاطب الحاضر. ومن هنا فإن الإحالات الإرتجالية إلى الأحداث الجارية أو إلى تفاعلات أفراد الجمهور إنما تؤدي إلى خلق جو من الحميمية يعزز الدروس التي يستخلصها الراوي من التاريخ ويقدمها لجماعته.(18)

   والواقع أن موضوع التبعية أو التثاقف لا تخص مسرح دول الأطراف بل تهم دول المركز، فقد شهد القرن العشرون اهتماما متزايدا بالأشكال المسرحية الشرقية من خلال الترجمات والمهرجانات. وقد اعترف الكثير من المنظرين الغربيين أن الكتابة الشرقبة تمثل نموذجا حيا للتفاعل بين الأشكال المسرحية.

   وعلى الرغم من اتساع نطاق الاختلاف بين الأشكال المسرحية، فإن الأرضية المشتركة واسعة، ذلك أن التنوع يتضح من خلال الاختلافات الجذرية بين سمات الأنواع الفنية نفسها. فالثقافة الناجحة ليست تلك التي تقوم بإنتاج العديد من الأعمال الفنية الناجحة، ولكنها الثقافة التي تقدم أنواعا مختلفة من الفن. تلك الأنواع التي يجب أن تساند بعضها البعض وبهذا تقدم لنا حياة ملائمة ومناسبة.(16)

    وخلاصة القول إن المثقفين العرب يجب أن يدركوا اليوم أكثر من أي وقت مضى بأهمية الرهان الثقافي، ذلك أن الثقافة الجديدة التي نطمح إليها هي ثقافة متجذرة في تراثنا الحضاري ومتفتحة على عطاء الفكر الإنساني .والمسرح الذي نطمح إليه هو الذي يبرز قدرة الإنسان العربي على تغيير واقعه ويعزز في نفس الوقت الانتماء إلى الإنسانية جمعاء.

 

 

الهوامش:

1-              ر-بودون وف-بوريكو،المعجم النقدي لعلم الاجتماع،ترجمة سليم حداد، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1986،ص140

2-              أحمد زكي بدوي،معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، بيروت: مكتبة لبنان 1982 ص 6

3-              ر-بودون المرجع السابق ص 228

4-              مايكل تومسبون وآخرون، نظرية الثقافة، الكويت: عالم المعرفة 1997 ص 31

5-              السيد نصر الدين السيد، إطلالة على الزمن الآتي، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997ص188

6-              مايكل كاريذرس، لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة، ترجمة شوقي جلال، الكويت: عالم المعرفة 1998ص15

7-              فوزي فهمي مقدمة منشورة في كتاب ادريان بيج، موت المؤلف، ترجمة نهاد صليحة، القاهرة: أكاديمية الفنون  1995 ص 13

8-              ماري إلياس وحنان قصاب، المعجم ..

 

9-              فوزي فهمي مقدمة منشورة في كتاب هيلين جلبرت وجوان تومكينز، الدراما ما بعد الكولونيالية، ترجمة سامح فكري، القاهرة: أكاديمية الفنون،  1998 ص 17

10-         عبد القادر جغلول، الاستعمار والصراعات الثقافة، ترجمة سليم قسطون، بيروت: دار الحداثة 1984ص6

11-         سعد الدين بن شنب، المسرح العربي لمدينة الجزائر، ترجمة عائشة خمار، الجزائر: مجلة الثقافة، وزارة الثقافة، 1980 ص ص32 ن،33

12-         BACHTARZI MAHIEDDINE MEMOIRE TOME LL ALGER ENAL1984P29

13-         علالو، شروق المسرح الجزائري، ترجمة أحمد منور، الجزائر: منشورات التبيين، 2000 ص 70

14-         BACHTARZI MAHIEDDINE op cit p  

15-         سعد أردش، المخرج في المسرح المعاصر، الكويت: عالم المعرفة، 1977 ص 378

16-         Mohamed Aziza, Regards sur le Theatre Arabe Contemporain,Tunis,MTE 1970 P 

17-         الأخضر بركة سيدي محمد، الشعر الملحون في المسرح الجزائري، الجزائر: مجلة الثقافة، وزاة الثقافة، 1993ص125-130

18-         هيلين جلبرت وجوان تومكينز، المرجع السابق ص 181

19-         هنري ويلز، المسرح الكلاسيكي الهندي:إسهاماته في الأدب والمسرح العالمي، ترجمة علي فرغلي، القاهرة: أكاديمية الفنون،1995ص202 

*- هذه المعلومات ذكرها الباحث البريطاني فيليب ساجروف الذي عثر على النص بمكتبة الللغات الشرقية بباريس. وقد تحصلنا على نسخة من هذا النص وسنعمل على نشره قريبا.